فصل: تفسير الآية رقم (158)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 157‏]‏

‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏155‏)‏ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ‏(‏156‏)‏ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ‏(‏157‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم‏}‏‏:‏ «ما» زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير‏:‏ فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره‏:‏ لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَبِكُفْرِهِمْ‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ بعيسى، و‏{‏قَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا‏}‏، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسى في المهد؛ و‏{‏قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالى فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ؛ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون؛ فاجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خَلَفِهِمُ المعاصِرِينَ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ‏:‏ إنا قَتَلْنَا المسيحَ غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله‏:‏ ‏{‏عِيسَى ابن مَرْيَمَ‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَسُولَ الله‏}‏، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى؛ لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ؛ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى‏.‏

قال * ص *‏:‏ و‏{‏عيسى‏}‏‏:‏ بدلٌ أو عطفُ بيانٍ من ‏{‏المسيح‏}‏، و‏{‏رَسُولَ الله‏}‏ كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل ‏{‏عيسى‏}‏، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى‏.‏ انتهى‏.‏

ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسى، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسى عليه السلام كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه الجَعَائِلَ، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه؛ حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسى، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه؛ حتى دلَّ على مكانه، فلما أحَسَّ عيسى وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ‏:‏ ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسى فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسى، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ، وروي أنَّ عيسى عليه السلام لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ‏:‏ أَيُّكُمْ يلقى عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ‏:‏ أَنَا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أنَّ شَبَهَ عيسى أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحداً مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحداً مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عيسى، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، واختلاط الأمْرِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه؛ لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، اضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا على صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو‏.‏

وقولُه تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً‏}‏، قال ابن عَبَّاس وجماعةٌ‏:‏ المعنى‏:‏ وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقيناً، فالضميرُ في «قتلوه» عندهم عائدٌ على الظَّنِّ؛ كما تقُولُ‏:‏ ما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْماً، قلْتُ‏:‏ وعبارةُ السُّدِّيِّ‏:‏ «وما قَتَلُوا أمره يقيناً أنَّ الرجُلَ هو عيسَى»‏.‏ انتهى من «مختصر الطَّبَرِيِّ»، وقال قومٌ‏:‏ الضميرُ عائدٌ على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقيناً ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوى، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكاً فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ‏:‏ الكلامُ تامٌّ في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ‏}‏، و‏{‏يَقِيناً‏}‏‏:‏ مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ‏}‏، المعنى‏:‏ نخبرُكُمْ يقيناً، أو نقصُّ عليكم يقيناً، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقيناً‏.‏

وقال * ص *‏:‏ بعد كلام‏:‏ والظاهرُ أنَّ الضمير في ‏{‏قَتَلُوهُ‏}‏ عائدٌ إلى عيسى لِتَتَّحِدَ الضمائرُ، و‏{‏يَقِيناً‏}‏‏:‏ منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ ‏{‏قَتَلُوهُ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ مستيقنين أنه عيسى، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي‏:‏ قتلاً يقيناً‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏158‏]‏

‏{‏بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏158‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ إلى سمائِهِ وكرامتِهِ، وعيسى عليه السلام في السَّماءِ؛ على ما تضمَّنه حديثُ الإِسراء في ذِكْرِ ابني الخالةِ عيسى ويحيى، ذكره البخاريُّ في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هنالك مُقِيمٌ؛ حتى يُنزله اللَّه تعالى لِقَتْلِ الدَّجَّال، وليملأَ الأرْضَ عَدْلاً وَيَحْيَا فيها أربعين سَنَةً، ثم يَمُوتُ، كما يموتُ البَشَر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏159‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏(‏159‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏}‏‏:‏ اختُلِفَ في معنى الآيةِ‏:‏

فقال ابن عباس وغيره‏:‏ الضميرُ في ‏{‏مَوْتِهِ‏}‏ راجعٌ إلى عيسى، والمعنى‏:‏ أنه لا يبقى مِنْ أهْل الكتابِ أحَدٌ، إذا نَزَلَ عيسى إلى الأرْضِ، إلاَّ يؤمنُ بعيسى؛ كما يؤمنُ سائرُ البَشَرِ، وترجِعُ الأدْيَانُ كلُّها واحداً، يعني‏:‏ يرجعُونَ على دِينِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ عيسى واحدٌ من أمته وعلى شريعته، وأئمَّتنا منَّا كما ورد في الحديثِ الصَّحِيح‏.‏

وقال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ أيضاً وغيرهما‏:‏ الضميرُ في ‏{‏بِهِ‏}‏ لعيسى، وفي ‏{‏مَوْتِهِ‏}‏ للكتابيِّ، لَكن عند المعاينة للمَوْتِ فهو إيمانٌ لا ينفعه، وقال عكرمةُ‏:‏ الضَّميرُ في ‏{‏بِهِ‏}‏ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم و‏{‏قَبْلَ مَوْتِهِ‏}‏ للكتابيِّ قال‏:‏ وليس يخرج يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ من الدنيا حتى يؤمن بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ولو غَرِقَ أو سَقَطَ علَيْه جِدَارٌ، فإنه يؤمنُ في ذلك الوقْتِ، وفي مُصْحَفِ أبيِّ بْنِ كَعْب‏:‏ «قَبْلَ مَوْتِهِمْ»، ففي هذه القراءة تَقْوِيَةٌ لعود الضمير على الكتابيِّ،

قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «إنْ»‏:‏ هنا نافيةٌ، والمخبَرُ عنه محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي‏:‏ وما أحدٌ من أهل الكتاب؛ كما حذف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 71‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 164‏]‏ أي‏:‏ وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ‏:‏ ‏{‏لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ‏}‏‏:‏ جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضاً ‏{‏إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ‏}‏ و‏{‏إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج‏:‏ وحَذْف «أَحَدٍ» مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ؛ نحْوُ‏:‏ مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ‏:‏ ما قام أحدٌ إلاَّ زيد‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 162‏]‏

‏{‏فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ‏(‏160‏)‏ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏161‏)‏ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏162‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏فَبِظُلْمٍ‏}‏‏:‏ معطوفٌ على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 155‏]‏ والطيِّباتُ هنا‏:‏ هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ‏:‏ «طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ»‏.‏

‏{‏وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً‏}‏‏:‏ يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أنْ يريد صدَّهم غيرهم، ‏{‏وَأَخْذِهِمُ الربا‏}‏، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلى أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرى مَجْراهم‏.‏

واختلف الناسُ في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والمقيمين‏}‏، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر‏.‏

فقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة‏:‏ إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ ب «أعْنِي» والرفعُ بعد ذلك ب «هُمْ»؛ وقال قومٌ‏:‏ ‏{‏والمقيمين‏}‏‏:‏ عطْفٌ على «ما» في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ‏}‏، والمعنى‏:‏ ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ‏:‏ ‏{‏والمقيمين‏}‏‏:‏ عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ‏:‏ بل على الكَافِ في قولهِ‏:‏ ‏{‏مِن قَبْلِكَ‏}‏،

وزاد ص‏:‏ ‏{‏والمقيمين‏}‏ منصوبٌ على المَدْحَ، قال‏:‏ وقرأ جماعةٌ‏:‏ «والمقيمُونَ» انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏163- 164‏]‏

‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏163‏)‏ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ‏(‏164‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ سبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ‏:‏ ‏{‏مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْءٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏ فأنزل اللَّه سبحانه الآية؛ تَكْذيباً لهم‏.‏

قال * ع *‏:‏ إسماعيلُ هو الذبيح؛ في قول المحقِّقين، والوَحْيُ‏:‏ إلقاءُ المعنى في خفاءٍ، وعُرْفُهُ في الأنبياء بوَسَاطة جبريلَ عليه السلام، وكلَّم اللَّه سبحانه موسى بكلامٍ دون تكْييفٍ، ولا تحديدٍ، ولا حرفٍ، ولا صوتٍ، والذي عليه الراسخُونَ في العِلْمِ؛ أنَّ الكلام هو المعنَى القَائِمُ في النَّفْسِ، ويخلق اللَّه لموسى إدراكاً من جهةِ السَّمْعِ يتحصَّل به الكلامُ، وكما أنَّ اللَّه تعالى موجودٌ لا كالموجودَاتِ، معلومٌ لا كالمعلُومَاتِ؛ فكذلك كَلاَمُهُ لا كالكلامِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 165‏]‏

‏{‏رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏165‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ رُسُلاً‏:‏ بدلٌ من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرُّسُل احتجاجَ مَنْ يقول‏:‏ لو بُعِثَ إلَيَّ رَسُولاً، لآمَنْتُ، واللَّه سبحانه «عزيزٌ»؛ لا يغالبُهُ شيْء، ولا حُجَّة لأحدٍ عليه، حَكِيمٌ في أفعالِهِ، فقطع الحُجَّة بالرسُل؛ حِكْمَةً منه سبحانه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏166- 169‏]‏

‏{‏لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏166‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏167‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ‏(‏168‏)‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏169‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ سببُهَا قولُ اليَهُود‏:‏ ‏{‏مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏‏.‏

وقال * ص *‏:‏ «لكن»‏:‏ استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 163‏]‏، قالوا‏:‏ ما نشهَدُ لك بهذا؛ فَنَزَلَ‏:‏ ‏{‏لكن الله يَشْهَدُ‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏}‏، هذه الآيةُ مِنْ أقوى متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ؛ خلافاً للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ‏:‏ عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة‏:‏ أنزله، وهو يَعْلَمُ إنزالَهُ ونُزُولَهُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والملائكة يَشْهَدُونَ‏}‏‏:‏ تقويةٌ لأمر نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وردٌّ على اليهود‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بالله شَهِيداً‏}‏، تقديره‏:‏ وكفَى اللَّهُ شهيداً، لكنه دخلَتِ الباءُ؛ لتدُلَّ على أنَّ المراد اكتفوا باللَّهِ، وباقي الآية بيِّنٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏170- 173‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏170‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏171‏)‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ‏(‏172‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏173‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس قَدْ جَاءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ‏:‏ «يا أيها الذين آمنوا»، والرسُولُ في الآية‏:‏ نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السموات والأرض‏}‏، وهذا خبرٌ بالاستغناء، وإنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فِي دِينِكُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به؛ بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ قَالَ‏:‏ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ ‏"‏ رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ‏:‏ ‏"‏ أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ‏}‏؛ أي‏:‏ الذين مِنْ جملتهم‏:‏ عيسى، ومحمَّد عليهما السلام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الله إله واحد‏}‏‏:‏ «إنَّمَا»؛ في هذه الآية‏:‏ حاصرةٌ، و‏{‏سبحانه‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ الملائكة المقربون‏}‏‏:‏ زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي‏:‏ وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائِكَةِ على الأنبياءِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسَيَحْشُرُهُمْ‏}‏‏:‏ عبارةُ وعيدٍ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مَجْراه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏174- 174‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ‏(‏174‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ إشارةٌ إلى نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، والبرهانُ‏:‏ الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ‏:‏ يعني القُرآن؛ لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي «صحيح مسلم»، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال‏:‏ قَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى، وأثنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏"‏ أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ‏:‏ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ؛ فِيهِ الهدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، واستمسكوا ‏"‏، فَحَثَّ على كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏"‏ وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ؛ ثَلاَثاً فِي أَهْلِ بَيْتِي‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث، وفي روايةٍ‏:‏ ‏"‏ كِتَابُ اللَّهِ؛ فيهِ الهدى والنُّورُ مَنِ استمسك بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ ‏"‏، وفي رواية‏:‏ ‏"‏ أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتبعه كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلاَلَةٍ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏175- 175‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏175‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ اعتصموا باللَّهِ، ويحتمل‏:‏ اعتصموا بالقُرآن؛ كما قال عليه السلام‏:‏ «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ؛ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ»، والرحمةُ والفَضْل‏:‏ الجنَّة ونعيمُها، و‏{‏يَهْدِيهِمُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ إلى الفَضْل، وهذا هدايةُ طريقِ الجِنَانِ؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 5‏]‏ الآية؛ لأنَّ هداية الإرشادِ قَدْ تقدَّمت، وتحصَّلت حينَ آمنوا باللَّه واعتصموا بكتابِهِ، فيهدِيهِمْ هنا بمعنى‏:‏ يُعَرِّفهم، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏176- 176‏]‏

‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة‏}‏، قد تقدَّم القولُ في تفسير «الكَلاَلَةِ» في صَدْر السورةِ، وكان أمر الكَلاَلَةِ عنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏ مُشْكِلاً، واللَّه أعلم، ما الذي أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وقولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ‏:‏ ‏"‏ تَكْفِيكَ مِنْهَا آيَةُ الصَّيْفِ ‏"‏ الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخرِ سُورة «النساء» بيانٌ فيه كفايةٌ، قال كثيرٌ من الصحابة‏:‏ هذه الآية هي من آخر ما نَزَلَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ‏}‏‏:‏ التقدير‏:‏ لئلاَّ تضِلُّوا، ‏{‏والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ‏}‏، سبحانه، وصلَّى اللَّه على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ، وسلَّم تسليماً‏.‏

سورة المائدة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية عامَّة في الوفاءِ بالعقودِ، وهي الرُّبُوطُ في القَوْل، كل ذلك في تعاهُدٍ على بِرٍّ أوْ في عُقْدَةِ نِكاحٍ، أوْ بَيْعٍ، أو غيره، فمعنى الآيةِ أمْرُ جميعِ المؤمنينَ بالوَفَاءِ على عَقْدٍ جارٍ على رَسْم الشريعةِ، وفَسَّر بعض الناسِ لفْظَ «العقود» بالعُهُودِ، وقال ابنُ شِهَابٍ‏:‏ قرأْتُ كتابَ رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الذي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثهُ إلى نَجْرَانَ، وفِي صَدْرِهِ‏:‏ «هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُوله‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود‏}‏، فكتب الآياتِ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ وأصوبُ ما يقال في هذه الآية‏:‏ أنْ تعمَّم ألفاظها بغايةِ مَا تَتَنَاوَلُ، فيعمَّم لفظ المؤمنينَ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتابِ، وفي كُلِّ مظهر للإيمانِ، وإنْ لم يبطنْهُ، وفي المؤمنينَ حقيقةً، ويعمَّم لفظ العُقُودِ في كلِّ ربطٍ بقَوْلٍ موافِقٍ للحق والشَّرْع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام‏}‏ اختلف في معنى ‏{‏بَهِيمَةُ الأنعام‏}‏‏.‏

فقال قتادة وغيره‏:‏ هي الأنعامُ كلُّها‏.‏

* ع *‏:‏ كأنه قال‏:‏ أُحِلَّتْ لكم الأنعامُ‏.‏ وقال الطبريُّ‏:‏ قال قومٌ‏:‏ بهيمةُ الأنعامِ‏:‏ وحْشُهَا، وهذا قولٌ حَسَنٌ؛ وذلك أنَّ الأنعامَ هي الثمانيةُ الأزواجِ، وانضاف إلَيْهَا مِنْ سائر الحَيَوان ما يُقَالُ له‏:‏ أنعامٌ بمجموعِهِ معها، والبهيمة في كلامِ العربِ‏:‏ ما أبهم من جِهَةِ نَقْص النُّطْق والفَهْم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ‏}‏‏:‏ استثناءُ ما تُلِيَ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ «وما» في موضعِ نَصْبٍ؛ على أصْل الاستثناءِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏غَيْرَ مُحِلِّي الصيد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ نُصِبَ «غير»؛ على الحال من الكافِ والميمِ في قوله‏:‏ ‏{‏أُحِلَّتْ لَكُمْ‏}‏، وهو استثناءٌ بعد استثناءٍ‏.‏

قال * ص *‏:‏ وهذا هو قولُ الجمهورِ، واعترض بأنَّه يلزم منه تقييدُ الحِلِّيَّةِ بِحَالَةِ كَوْنهم غِيْرَ محلِّين الصَّيْدَ، وهم حُرُمٌ، والْحِلِّيَّةُ ثابتةٌ مطلقاً‏.‏

قال * ص *‏:‏ والجوابُ عندي عَنْ هذا؛ أنَّ المفهوم هنا مَتْرُوكٌ؛ لدليلٍ خَارجيٍّ، وكثيرٌ في القرآن وغيره من المَفْهُومَاتِ المتروكَةِ لِمُعارِضٍ، ثم ذكر ما نقله أبو حَيَّان من الوُجُوه التي لم يَرْتَضِهَا‏.‏

* م *‏:‏ وما فيها من التكلُّف، ثم قال‏:‏ ولا شَكَّ أنَّ ما ذكره الجمهورُ مِنْ أنَّ «غَيْر»‏:‏ حالٌ، وإنْ لزم عنه الترك بالمفهومِ، فهو أولى من تَخْرِيجٍ تَنْبُو عنه الفُهُوم‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ‏}‏‏:‏ تقويةٌ لهذه الأحكامِ الشرعيَّة المخالِفَةِ لِمعهود أحكامِ الجاهليَّة، أي‏:‏ فأنت أيها السَّامِعُ لِنَسْخِ تلك التي عَهِدتَّ، تَنَبَّهْ، فإنَّ اللَّه الذي هو مَالِكُ الكُلِّ يحكُمُ ما يريدُ لا مُعقِّب لحُكْمه سُبْحانه‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذه الآيةُ مما تَلُوحُ فصاحتها، وكَثْرَةُ معانِيهَا على قلَّة ألفاظها لكلِّ ذِي بَصَر بالكلامِ، ولِمَنْ عنده أدنى إبْصَارٍ، وقد حَكَى النَّقَّاش؛ أنَّ أَصْحَابَ الكِنْدِيِّ قالوا للكنديِّ‏:‏ أيُّهَا الحكيمُ، اعمل لنا مثْلَ هذا القرآن، فقال‏:‏ نعم، أعْمَلُ لكم مِثْل بعضِهِ، فاحتجب أياماً كثيرةً، ثم خَرَج، فقال‏:‏ واللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليه، ولا يطيقُ هذا أحدٌ؛ إني فتحْتُ المُصْحَفَ، فخرجَتْ سورةُ المَائِدَةِ، فنَظَرْتُ، فإذا هو قد أَمَرَ بالوَفَاءِ، ونهى عن النُّكْثِ، وحلَّل تحليلاً عامًّا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلاَّ في أَجْلاَدٍ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله‏}‏‏:‏ خطابٌ للمؤمنين حقًّا؛ ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ‏:‏ شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهى عنه، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ‏:‏ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ‏:‏ قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنى مَعَالِمِ اللَّهِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ الشهر الحرام‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ؛ ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ الهدي‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيداً ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ عبَّاس‏.‏

وقال الجمهورُ‏:‏ الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يهدى قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ‏:‏ ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره؛ أَمَنَةً لهم‏.‏

وقال * ص *‏:‏ ‏{‏وَلاَ القلائد‏}‏‏:‏ أي‏:‏ ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل‏:‏ بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها؛ مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ ءَامِّينَ البيت الحرام‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار؛ المعنى‏:‏ لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ ب «آية السَّيْف»؛ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ فكلُّ ما في هذه الآية ممَّا يتصوَّر في مُسْلِمٍ حاجٍّ، فهو مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا‏}‏، قال فيه جمهور المفسِّرين‏:‏ معناه‏:‏ يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم؛ لِتَنْبسطَ النفوسُ؛ بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة؛ كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ؛ إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏، ونودِيَ في الناسِ بسورة «بَرَاءَةَ»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا‏}‏‏:‏ مجيءُ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاصطادوا‏}‏‏:‏ أمرٌ، ومعناه الإباحةُ؛ بإجماع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ‏:‏ معناه‏:‏ كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس‏:‏ معناه‏:‏ لا يَحْمِلَنَّكم، والمعنى‏:‏ متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شَنَآنُ قَوْمٍ‏}‏‏:‏ الشَّنَآنُ‏:‏ هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ بفتح النون، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ؛ كأنَّه قَالَ‏:‏ لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا على قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ على صَدِّ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان‏.‏

وقرأ أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ‏:‏ «إنْ صَدُّوكُمْ»، ومعناه‏:‏ إنْ وَقَعَ مثْلُ ذلك فِي المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ‏.‏

ثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوى، قال قوم‏:‏ هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ؛ أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوى‏:‏ رعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز‏.‏

قُلْتُ‏:‏ قال أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الداووديُّ‏:‏ قال ابنُ عباس‏:‏ البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوى ما نُهِيتَ عنه‏.‏ انتهى، وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ؛ أنَّ لفظ التقوى يُطْلَقُ على معانٍ، وقد بيَّناها في آخر «سُورة النُّور»، وفي الحديثِ الصحيحِ‏:‏ ‏"‏ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ‏"‏، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث‏:‏ وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ‏:‏ ‏"‏ مَنْ سعى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ‏:‏ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ‏"‏، انتهى مِن «شَرْح الأربعين» حديثاً‏.‏

ثم نهى تعالى عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوى، وتوعَّد توعُّداً مجملاً، قال النوويُّ‏:‏ وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ‏:‏ ‏"‏ أنَّهُ أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ‏:‏ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، فَقَالَ‏:‏ استفت قَلْبَكَ؛ البِرُّ‏:‏ مَا اطمأنت إلَيْهِ النَّفْسُ، واطمأن إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ‏:‏ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ‏"‏ حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني‏:‏ ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما في «صحيح مسلم»، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

وقوله تعالَى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تعديدٌ لما يتلى على الأمَّة ممَّا استثنَي من بهيمة الأَنْعَامِ، ‏{‏والدم‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ المَسْفُوح، ‏{‏وَلَحْمُ الخنزير‏}‏‏:‏ مقتضٍ لشَحْمِهِ؛ بإجماع، ‏{‏وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ‏}‏‏:‏ قد تقدَّم، ‏{‏والمنخنقة‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ التي تَمُوتُ خَنْقاً، ‏{‏والموقوذة‏}‏‏:‏ التي ترمى أو تُضْرَبُ بِعَصاً، وشبهها، ‏{‏والمتردية‏}‏‏:‏ هي التي تتردى مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، فتموتُ، ‏{‏والنطيحة‏}‏‏:‏ فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، ‏{‏وَمَا أَكَلَ السبع‏}‏‏:‏ يريد كُلَّ ما افترسَهُ ذو نَابٍ، وأظْفَارٍ من الحَيَوان، وكانَتِ العربُ تأكل هذه المذْكُورات، ولم تَعْتَقِدْ ميتةً إلا ما مَاتَ بالوَجَعِ ونحو ذلك‏.‏

واختلف العلماءُ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ‏}‏، فقال ابنُ عباس، وجمهورُ العلماء‏:‏ الاستثناءُ من هذه المذْكُوراتِ، فما أُدْرِكَ مِنْهَا يَطْرِفُ بِعَيْنٍ أو يُحَرِّكُ ذَنَباً، وبالجُمْلة‏:‏ ما يتحقَّق أنه لم تَفِضْ نفسه، بل له حياةٌ، فإنه يذكى على سُنَّة الذَّكَاة، ويُؤْكَلُ، وما فَاضَتْ نفسه، فهو الميتَةُ، وقال مالكٌ مرَّةً بهذا القَوْلِ، وقال أيضاً، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه مِنْ أهْل المدينة‏:‏ إنَّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مِنْ هذه المذْكُورات في وَقْتٍ تَصِحُّ فيه ذَكاتُها، وهو ما لم تنفذ مقاتِلها، ويتحقَّق أنها لا تَعِيشُ، ومتى صارَتْ في هذا الحَدِّ، فهي في حُكْمِ المَيْتَة، فالاستثناءُ عند مالك مُتَّصِلٌ؛ كقول الجمهور، لكنه يُخَالِفُ في الحَالِ التي يَصِحُّ فيها ذَكاةُ هذه المذكورات واحتج لمالِكٍ؛ بأنَّ هذه المذكوراتِ لو كَانَتْ لا تحرم إلاَّ بموتها، لكان ذكْرُ المَيْتَة أولاً يُغْنِي عنها، ومِنْ حُجَّة المخالِفِ أنْ قَالَ‏:‏ إنما ذُكِرَتْ بسبب أنَّ العرب كانَتْ تعتقدُ أنَّ هذه الحوادِثَ كالذَّكَاة، فلو لم يُذْكَرْ لها غَيْرُ الميتةِ، لظَنَّتْ أنها ميتةُ الوَجَعِ؛ حَسْبما كانَتْ عليه، والذَّكَاةُ في كلام العرب‏:‏ الذَّبْح‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب‏}‏‏:‏ عطفٌ على المحرَّمات المذْكُورة، والنُّصُب‏:‏ حجارةٌ تُنْصَبُ، يذبحون علَيْها، قال ابنُ جُرَيْجٍ‏:‏ وليسَتِ النُّصُب بأصنامٍ؛ فإن الصَّنَمُ يُصوَّر ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ، وكَانَتِ العربُ تَعْبُدُها، قال ابنُ زَيْدٍ‏:‏ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏:‏ شيْءٌ واحدٌ‏.‏

قال * ع *‏:‏ ما ذُبِحَ على النصبِ جُزْءٌ مِمَّا أهِلَّ به لغير اللَّه، لكنْ خُصَّ بالذِّكْر بعد جنْسِهِ؛ لشهرة أمْرِه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام‏}‏‏:‏ حرَّم سبحانه طَلَبَ القِسْمِ، وهو النَّصِيبِ، أوِ القَسْمِ بفتح القاف، وهو المصدَرُ؛ بالأزلامِ، وهي سهَامٌ، قال صاحبُ «سلاح المؤمن»‏:‏ والاستقسامُ‏:‏ هُوَ الضَّرْب بها؛ لإخراجِ مَا قُسِمَ لهم، وتَمْيِيزِهِ بزَعْمهم‏.‏ انتهى، وأزْلاَمُ العَرَبِ على أنواعٍ؛ منْها الثلاثةُ الَّتي كان يتَّخِذُها كلُّ إنسانٍ لنفسه على أحدها «افعل»، وعلى الآخر «لاَ تَفْعَلْ»، وثالثٌ مهملٌ؛ لا شيْءَ عليه، فيجعلها في خريطَةٍ معه، فإذا أراد فِعْلَ شيءٍ أدخَلَ يده، وهي متشابهَةٌ فأخْرَجَ أحدها، وَأْتَمَرَ له، وانتهى بحسب ما يَخْرُجُ له، وإنْ خرج القِدْحُ الذي لا شَيْءَ فيه، أعاد الضَّرْبَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذلكم فِسْقٌ‏}‏‏:‏ إشارةٌ إلى الاِستقسامِ بالأزلام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ‏}‏‏:‏ معناه؛ عند ابن عباس وغيره‏:‏ مِنْ أنّ تَرْجِعُوا إلى دينهم، وظاهرُ أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمْرِ أصحابِهِ، وظهور الدِّين يقتضي أنَّ يَأْسَ الكُفَّارِ عنِ الرجوعِ إلى دينهم قد كَانَ وَقَعَ مُنْذُ زمانٍ، وإنما هذا اليأسُ عندي من اضمحلال أَمْرِ الإسلام، وفَسَادِ جمعه؛ لأن هذا أمْرٌ كان يترجَّاه مَنْ بَقِيَ من الكفَّار؛ ألا ترى إلى قول أخِي صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ في يَوْمِ هَوَازِنَ حتى انكشف المُسْلمون، وظنَّها هزيمةً‏:‏ «أَلاَ بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ»، إلى غير هذا مِنَ الأَمثلَة، وهذِهِ الآيةُ في قول الجمهورِ؛ عُمَرَ بْنِ الخطابِ وغيره‏:‏ نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ، وفي ذلك اليَوْمِ امحى أمْرُ الشِّرْكِ مِنْ مَشَاعِرِ الحَجِّ، ولم يحضُرْ من المشركين المَوْسِمَ بَشَرٌ، فيحتملُ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم‏}‏‏:‏ أنْ تكون إشارةً إلى اليومِ بعينه، ويحتملُ أنْ تكون إشارةً إلى الزَّمَنِ والوَقْت، أيْ‏:‏ هذا الأوانُ يَئِسَ الكفَّار من دينكم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏‏:‏ يعمُّ سائر الكفَّار من العرب وغيرهم؛ وهذا يقوِّي أنَّ اليأْس إنما هو مِنَ انحلال أمْرِ الإسلام، وأمر سبحانه بخَشْيَته الَّتي هِيَ رأْسُ كُلِّ عبادةٍ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وَمِفْتَاحُ كُلِّ خيرٍ ‏"‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏}‏‏:‏ تحتملُ الإشارةَ ب «اليَوْم» ما قد ذكرناه، حَكَى الطبريُّ؛ أنَّ النبيَّ عليه السلام لَمْ يَعِشْ بعد نزول هذه الآية إلاَّ إحدى وثمانِين ليلةً، والظاهر أنه عاشَ صلى الله عليه وسلم أكثر بأيامٍ يسيرةٍ، قُلْتُ‏:‏ وفي سماعِ ابنِ القاسِمِ، قال مالك‏:‏ بلَغَنِي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ في اليومِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَقَفَ على بابه، فقال‏:‏ ‏"‏ إنِّي لاَ أُحِلُّ إلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ في كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، اعملا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ؛ فَإنِّي لاَ أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ‏"‏، قال ابن رُشْدٍ‏:‏ هذا حديثٌ يدلُّ على صحَّته قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 38‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تِبْيَاناً لّكُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 89‏]‏، فالمعنى في ذلك‏:‏ أنَّ اللَّه عز وجل نَصَّ على بعض الأحكامِ، وأجْمَلَ القَوْلَ في بعضها، وأحَالَ علَى الأدلَّة في سائِرِها بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 83‏]‏ فبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما أجمله اللَّه في كتابه؛ كما أمره؛ حيثُ يقول‏:‏ ‏{‏لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 44‏]‏ فما أحلَّ صلى الله عليه وسلم، أو حرَّم، ولم يوجَدْ في القُرآن نَصًّا، فهو مما بيَّن مِنْ مُجْمَلِ القُرآن، أو علمه بما نُصِبَ من الأدلَّة فيه، فهذا معنى الحَدِيثِ، واللَّه أعلم، فما يَنْطِقُ صلى الله عليه وسلم عَنِ الهوى؛ إنْ هو إلاَّ وحْيٌ يوحَى‏.‏

انتهى من «البيان والتحصيل»‏.‏

وفي «الصحيح»؛ «أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ، قال لَهُ يَهُودِيٌّ‏:‏ آيَةٌ في كتابِكُمْ تقرأونَهَا، لو علَيْنا نزلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيداً، فقال له عُمَرُ‏:‏ أيُّ آيَة هِيَ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ ‏{‏اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏}‏، فقالَ له عُمَرُ‏:‏ قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ؛ نَزَلَتْ على رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ»‏.‏

قال * ع *‏:‏ فَفِي ذلك اليَوْم عِيدَانِ للإسلامِ، إلى يومِ القِيامةِ، وإتمامُ النعمة هو في ظُهُور الإسلام، ونُورِ العقائدِ، وكمالِ الدِّينِ، وسعةِ الأحوالِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا اشتملت عليه هذه المِلَّةُ الحنيفيَّة إلى دخولِ الجَنَّة، والخلودِ في رَحْمَةِ اللَّه سبحانه، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ هذه النعمة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً‏}‏‏:‏ يحتملُ الرِضَا في هذا الموضعِ؛ أنْ يكون بمعنى الإرادةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ صفةَ فِعْلٍ عبارةً عَنْ إظهارِ اللَّهِ إياه؛ لأنَّ الرضَا من الصفاتِ المتردِّدة بَيْنَ صفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعال، واللَّه تعالى قد أراد لنا الإسلامَ، وَرَضِيَهُ لنا، وَثَمَّ أشياء يريدُ اللَّه وقوعها ولا يَرْضَاها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ‏}‏، يعني‏:‏ مَنْ دَعَتْهُ ضرورةٌ إلى أكْل المَيْتَة، وسائر تلْكَ المُحرَّمات، وسُئِلَ صلى الله عليه وسلم، متى تَحِلُّ الميتَةُ للنَّاسِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ إذَا لَمْ يَصْطَبِحُوا، وَلَمْ يَغْتَبِقُوا، وَلَمْ يَحْتَفِئُوا بَقْلاً ‏"‏ والمخمَصَةُ‏:‏ المجاعَةُ التي تخمص فيها البُطُونُ، أي‏:‏ تَضْمُرُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ‏}‏ هو بمعنى‏:‏ ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 173‏]‏ وقد تقدَّم تفسيره‏.‏

قال * ص *‏:‏ متجانف‏:‏ أي‏:‏ مائلٌ منحرفٌ‏.‏ انتهى، وقد تقدَّم في «البقرة»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

وقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ‏}‏‏:‏ سببُ نزولها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أمر بقَتْل الكلابِ‏.‏ سأله عاصمُ بنُ عَدِيٍّ وغيره، مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الكِلابِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وظاهر الآية أنَّ سائلاً سأل عمَّا يحلُّ للنَّاسِ من المَطَاعِمِ؛ لأنَّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات‏}‏ ليس بجوابٍ عمَّا يحِلُّ للناسِ اتخاذه من الكلاَبِ إلاَّ أنْ يكون مِنْ باب إجَابَةِ السائلِ بأكثر ممَّا سأَلَ عنه، وهو موجودٌ كثيراً من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والطَّيِّبُ‏:‏ الحَلاَل‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَّمْتُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ وصَيْدُ ما علَّمتم، قال الضَّحَّاك وغيره‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ‏}‏‏:‏ هي الكلاَبُ خاصَّةٌ‏.‏

قال العِرَاقِيُّ في «مكلِّبين»‏:‏ أصحاب أَكْلُبٍ لها مُعَلِّمين‏.‏ انتهى، وأعلى مراتِبِ التَّعْلِيمِ، أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِي، ويدعى فَيُجِيب، ويُزْجَر بَعْد ظَفَرِهِ بالصَّيْد، فينزجر، وجوارِحُ‏:‏ جمع جَارِحٍ، أي‏:‏ كاسب، يقال‏:‏ جَرَحَ فلانٌ، واجترح؛ إذا اكتسب؛ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 60‏]‏، أي‏:‏ ما كَسَبْتُمْ مِنْ حسنةٍ وسيئةٍ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقرأ جمهورُ النَّاس‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَّمْتُمْ‏}‏ بفتح العين واللامِ، وقرأ ابنُ عبَّاس ومحمَّدُ بْنُ الحنفيَّة‏:‏ «عُلِّمْتُمْ» بضم العين وكسر اللام‏:‏ أي‏:‏ من أمرِ الجوارحِ، والصَّيْدِ بِها، وقرأ جمهورُ النَّاس‏:‏ «مُكَلِّبِينَ» بفتح الكاف وشَدِّ اللام، والمُكَلِّبُ‏:‏ معلِّم الكلابِ، ومُضَرِّبها، ويقال لِمَنْ يعلِّم غَيْرَ كَلْبٍ‏:‏ مُكَلِّب؛ لأنه يَرُدُّ ذلك الحيوان كالكَلْبِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ تعلمونَهُنَّ الحِيلَةَ في الاِصطياد، والتأني لتحصيلِ الحيوانِ، وهذا جزءٌ مما علمَّه الإنسان، ف «مِنْ»‏:‏ للتبعيض‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏}‏‏:‏ يحتملُ‏:‏ ممَّا أمسكْنَ، فلم يأكلْنَ منه شيئاً، ويحتملُ‏:‏ ممَّا أمسكْن، وإن أكلْنَ منه، وبحَسَبِ هذا الاحتمالِ اختلف العلماءُ في جواز أكْلِ الصيد، إذا أكل منه الجارحُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واذكروا اسم الله عَلَيْهِ‏}‏‏:‏ أمر بالتسمية عنْدَ الإِرسال، وذهب مالكٌ وجمهورُ العلماء؛ أنَّ التسمية واجبةٌ، مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسْيَان، فمن تركَهَا عامداً، فقد أفْسَدَ الذبيحةَ والصَّيدَ، ومن تَرَكها ناسياً، سمى عند الأكْلِ، وكانَتِ الذبيحةُ جائزةً، وفِقْهُ الصيْدِ والذبْحِ في معنى التسميةِ واحدٌ‏.‏

ثم أمر سبحانه بالتقوى على الجُمْلة، والإشارة إلى ما تضمَّنته هذه الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والنواهِي، وفي قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب‏}‏‏:‏ وعيدٌ وتحذيرٌ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات‏}‏‏:‏ إشارةٌ إلى الزَّمَنِ والأوانِ، والخِطَابُ للمؤمِنِينَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ‏}‏‏:‏ الطعامُ في هذه الآيةِ‏:‏ الذَّبَائِحُ؛ كذا قال أهل التفسير‏.‏

واختلفوا في لَفْظَةِ ‏{‏طَعَام‏}‏‏.‏

فقال الجمهورُ‏:‏ هي الذبيحةُ كلُّها، وقالتْ جماعة‏:‏ إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحةِ، أي‏:‏ الحلال لهم منها لا ما لا يَحِلُّ لهم؛ كَالطَّرِيفِ، وَالشُّحُومِ المحْضَةِ‏.‏

واختلف في لَفْظة ‏{‏أُوتُواْ الكتاب‏}‏‏.‏

فقالتْ طائفة‏:‏ إنما أحل لنا ذبائح الصُّرَحَاءِ منهم، لا مَنْ كان دخيلاً في هذَيْن الدِّينَيْنِ، وقال جمهورُ الأمَّة؛ ابنُ عَبَّاس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم‏:‏ إنَّ ذبيحةَ كُلِّ نصرانيٍّ حلالٌ، كان مِنْ بني تَغْلِبَ أو غيرهم، وكذلك اليهودُ، وتأوَّلوا قوْلَ اللَّهِ تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏‏.‏

وقولُهُ سُبْحَانه‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ ذبائحكم، فهذه رُخْصَة للمسلمين، لا لأهْلِ الكتابِ، لَمَّا كان الأمْرُ يقتضي أنَّ شيئاً قد تشرَّعنا فيه بالتَّذْكِيَةِ ينبغي لنا أنْ نَحْمِيَهُ منهم، رخَّص اللَّه تعالى لنا في ذلك؛ دفعاً للمشقَّة بحَسَب التجاوُرِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والمحصنات‏}‏‏:‏ عطْفٌ على الطَّعَام المُحَلَّل، ذهب جماعةٌ منهم مالكٌ إلى أنَّ المحصنات في هذه الآيةِ الحرائر، فمنعوا نِكَاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، وذهب جماعةٌ إلى أنهنَّ العَفَائِفُ، فأجازوا نكاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، والأجورُ في الآية‏:‏ المُهُورُ، وانتزع بعضُ العلماءِ مِنْ لَفْظ‏:‏ ‏{‏ءَاتَيْتُمُوهُنَّ‏}‏؛ أنَّه لا ينبغِي أنْ يدخل زَوْجٌ بزوجته إلاَّ بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ من المَهْر ما يستحلُّها به، و‏{‏مُّحْصِنِينَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ متزوِّجين على السُّنَّة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بالأمور التي يَجِبُ الإيمان بها، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن العَرَبِيِّ‏:‏ في «أحكامه»‏:‏ لا خِلاَفَ بَيْن العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ مَدَنِيَّةٌ؛ كما أنه لا خِلاَفَ أنَّ الوضوء كانَ مَعْقُولاً قَبْلَ نزولها غَيْرَ مَتْلُوٍّ؛ ولذلك قال علماؤُنا‏:‏ إنَّ الوُضُوءَ كان بمكَّة سُنَّةً، ومعناه‏:‏ كان مفْعولاً بالسُّنَّة، وقوله‏:‏ ‏{‏إِذَا قُمْتُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ إذا أردتُّمُ القِيَامَ إلى الصلاة‏.‏ انتهى‏.‏

قال زيدُ بْنُ أَسْلَمَ والسُّدِّيُّ‏:‏ معنى الآية‏:‏ إذا قمتُمْ من المضاجِعِ، يعني النَّوْمَ، والقصْدُ بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداث بالذِّكْر، وفي الآية على هذا التأويلِ تقديمٌ وتأْخيرٌ، تقديره‏:‏ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النومِ، أو جاء أَحدٌ منكم من الغائِطِ، أو لامَسْتُمُ النِّساء، يعني‏:‏ الملامسة الصغرى فاغسلوا، وهنا تمَّتْ أحكامُ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا‏}‏، فهذا حُكْم نوعٍ آخر، ثم قال للنوعين جميعاً‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً‏}‏، وقال بهذا التأويل محمَّد بْنُ مَسْلمة مِنْ أصحاب مالكٍ وغيره‏.‏

وقال جمهورُ أهْلِ العِلْمِ‏:‏ معنى الآيةِ‏:‏ إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثِينَ، وليس في الآيةِ على هذا تقديمٌ ولا تأْخيرٌ، بل ترتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ المَاءِ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فاطهروا‏}‏، ودخلَتِ الملامسةُ الصغرى في قولنا‏:‏ «مُحْدِثِينَ»، ثم ذكَرَ بعد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنتُم مرضى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية حُكْمَ عادمِ الماءِ مِنَ النوعَيْنِ جميعاً، وكانت الملامسةُ هي الجماعَ،

وقال * ص *‏:‏ ‏{‏إِذَا قُمْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ إذا أردتُّم، وعبَّر بالقيامِ عن إرادَتِهِ؛ لأنه مُسَبَّبٌ عنها‏.‏ انتهى‏.‏

ومِنْ أحسن الأحادِيثِ وأصحِّها في فَضْل الطهارةِ والصَّلاة‏:‏ ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ»، عن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ‏:‏ إسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ‏"‏

قال أبو عمر في «التمهيد»‏:‏ هذا الحديثُ مِنْ أَحْسَنِ ما رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضائِلِ الأعمالِ‏.‏

قال صاحبُ «كتاب العَيْنِ»‏:‏ الرِّبَاطُ‏:‏ ملازمةُ الثُّغُور، قال‏:‏ والرِّبَاطُ مواظبةُ الصلاةِ أَيضاً انتهى‏.‏

والغُسْلُ، في اللغة‏:‏ إيجادُ المَاء في المَغْسُول، مع إمرار شَيْء علَيْه كاليَدِ، والوَجْه ما وَاجَهَ النَّاظر وقابله، والنَّاس كلُّهم على أنَّ داخل العينَيْنِ لا يلْزَمُ غسله إلا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنه كان يَنْضَحُ الماءَ في عَيْنَيْهِ واليَدُ لغةً تَقَعُ على العُضْوِ من المَنْكِبِ إلَى أطرافِ الأصابِعِ، وحَدَّ اللَّه سبحانه مَوضِعَ الغُسْلِ منه؛ بقوله‏:‏ ‏{‏إِلَى المرافق‏}‏‏.‏

واختلف العلماءُ، هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لاَ، وتحريرُ العبارةِ في هذا المعنى‏:‏ أنْ يقَالُ‏:‏ إذا كان مَا بَعْد إلى لَيْسَ مما قَبْلَهَا، فالحَدُّ أولُ المذكورِ بعدها، وإذا كان ما بَعْدَها مِنْ جملة ما قَبْلَهَا، فالاحتياطُ يُعْطِي أنَّ الحدَّ آخر المذكور بَعْدَها؛ ولذلك يترجَّح دخولُ المرفَقَيْنِ في الغُسْل، والروايتان عن مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»، وقد رَوَى الدارقطنيُّ وغيره عن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ‏:‏ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ على مِرْفَقَيْهِ‏.‏

انتهى‏.‏

واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ، هل هو فرضٌ أوْ سُنَّة، بعد الإجماع على أنَّ المَسْحَةَ الأولى فَرْضٌ، فالجمهورُ على أنَّه سُنَّة‏.‏

وقيل‏:‏ هو فرضٌ، والإجماع على استحسَانِ مَسْحِ الرأس باليَدَيْنِ جمِيعاً، وعلى الإجزاء بواحدةٍ، واختُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بأُصْبُعٍ واحدةٍ، والمشهورُ الإجزاءُ؛ ويترجَّح عدم الإجزاءِ؛ لأنه خروجٌ عن سُنَّة المَسْح، وكأنه لَعِبٌ إلاَّ أَنْ يكونَ ذلك عن ضَرَرِ مرضٍ ونحوه، فينبغي ألاَّ يُخْتَلَفَ في الإجزاء‏.‏

والبَاءُ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِرُؤُوسِكُمْ‏}‏ مؤكِّدة زائدةٌ عند مَنْ يرى إجزاء بعض الرأْسِ؛ كأنَّ المعنى‏:‏ أوجِدُوا مَسْحاً برؤوسكم، فمَنْ مَسَح، ولو شعرةً فقد فَعَلَ ذلك‏.‏

* ت *‏:‏ قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»‏:‏ وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صِفَةِ مَسْحِ الرأسِ؛ ‏"‏ أَنه أَقْبَلَ بِيَدِهِ، وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ‏"‏، وفي البخاريِّ‏:‏ ‏"‏ فَأَدْبَرَ بِهِمَا، وَأَقْبَلَ ‏"‏، وَهُمَا صحيحانِ متوافِقَانِ، وهي مسألةٌ من «أصول الفقْهِ»؛ في تسمية الفعْلِ بابتدائه أو بغايته‏.‏ انتهى‏.‏

وقرأ حمزة وغيره‏:‏ «وَأَرْجُلِكُمْ» بالخفض، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ‏:‏ «اغسلوا»، ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ، وجمهورُ الأَمَّة من الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغَسْلُ، وأنَّ المَسْح لا يجزئ، وفي الصحيح‏:‏ ‏"‏ وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ من النَّار ‏"‏ إذ رأى صلى الله عليه وسلم أعقابَهُمْ تلُوحُ، قال ابن العربِيِّ في «القَبَس»‏:‏ ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» بالخَفْض، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن؛ وهو أحد التأويلاتِ في الآية‏.‏ انتهى، وهذا هو الذي صحَّحه في «أحْكَامِهِ»‏.‏

والكلامُ في قوله‏:‏ ‏{‏إِلَى الكعبين‏}‏ كما تقدَّم في قوله‏:‏ ‏{‏إِلَى المرافق‏}‏، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عُقْبَة بْنِ عامر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يتوضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثِمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة ‏"‏، فَقُلْتُ‏:‏ مَا أَجْوَدُ هذِهِ‏؟‏ فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ ‏"‏

، وأخرجه الترمذيُّ من حديثِ أَبِي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن عمر، زاد في آخره‏:‏ ‏"‏ اللَّهُمَّ، اجعلني مِنَ التَّوَّابِينَ، واجعلني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ‏"‏ انتهى مختصراً‏.‏

واختلَفَ اللغويُّونَ في ‏{‏الكعبين‏}‏‏.‏

والجمهورُ على أنهما العَظْمَانِ الناتِئَانِ في جَنَبَتَيِ الرجلِ‏.‏

وألفاظُ الآيةِ تقتضِي المُوَالاَةَ بَيْن الأعضاء، قال مالك‏:‏ هو فرضٌ مع الذِّكْر، ساقِطٌ مع النِّسْيان، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ‏:‏ ‏"‏ مَنْ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ على وُضُوئِهِ، كَانَ طُهُوراً لِجَسَدِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسم اللَّهِ على وُضُوئِهِ كَانَ طُهُوراً لأعْضَائِهِ ‏"‏ انتهى من «الكوكب الدري»‏.‏

وكذلك تتضمَّن ألفاظ الآيةِ الترتيبَ، و‏{‏اطهروا‏}‏ أمُرٌ لواجدِ المَاءِ عنْدَ الجمهورِ، وقال عمرُ بْنُ الخطَّاب وغيره‏:‏ لا يتيمَّمِ الجُنُبُ ألبتَّة، بل يدع الصلاةَ حتى يجد الماء‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الإرادة صفَةُ ذاتٍ، وجاء الفعْلُ مستقبلاً؛ مراعاةً للحوادِثِ التي تَظْهَرُ عن الإرادة، والحَرَجُ‏:‏ الضِّيق، والحرجة‏:‏ الشَّجرُ الملْتَفُّ المتضايقُ، ويَجْرِي مع معنى هذه الآية قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ‏"‏، وقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ‏"‏، وجاء لَفْظُ الآية على العُمُومِ، والشَّيْءُ المذكُورُ بقُرْبٍ هو أمر التيمُّمِ، والرُّخْصَة فيه، وزوالُ الحَرَجِ في تحمُّل الماءِ أبداً؛ ولذلك قال أُسَيْدٌ‏:‏ «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ إعلامٌ بما لا يوازى بشُكْرٍ مِنْ عظيمِ تفضُّله تبارك وتعالى، و‏{‏لَعَلَّكُمْ‏}‏‏:‏ ترَجٍّ في حقِّ البَشَرِ، وفي الحديثِ الصحيحِ عن أبِي مالك الأشعريِّ، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأنِ، أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ‏"‏، رواه مُسْلِم، والترمذيُّ، وفي روايةٍ له‏:‏ ‏"‏ التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ ‏"‏، وزاد في رواية أخرى‏:‏ ‏"‏ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ؛ حتى تَخْلُصَ إلَيْهِ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 10‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏7‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وميثاقه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ‏:‏ اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ‏:‏ هو ما وقع للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه‏:‏ «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»، هذا قولُ ابنِ عبَّاس وجماعةٍ من المفسِّرين‏.‏

وقال مجاهدٌ‏:‏ المرادُ‏:‏ الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم عليه السلام‏.‏

والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتابه «بَهْجَةِ المَجَالِس»‏:‏ رُوَي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ على عَمَلٍ ثَوَاباً، فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وعَدَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ على عَمَلٍ عَقاباً، فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ‏"‏، وعن ابن عباسٍ مثله‏.‏ انتهى

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا‏:‏ نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا‏:‏ مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حَجَراً يَشْدَخُهُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم الخَبَرَ، فَقَامَ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ؛ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونَقْضِهِم المواثيقَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏12‏)‏ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِي إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً‏}‏‏:‏ هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره‏:‏ هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى،

قال * ع *‏:‏ ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والضميرُ في ‏{‏مَعَكُمْ‏}‏، لبني إسرائيل، أيْ‏:‏ معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لَئِنْ‏}‏‏:‏ هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله‏:‏ ‏{‏لأُكَفّرَنَّ‏}‏؛ والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ‏:‏ أنَّهَا قد يستغنى عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ‏:‏ توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا‏:‏ شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، وعَزَّرتموهم‏:‏ معناه‏:‏ وقَّرْتُمُوهم، وعَظَّمْتموهم، ونَصَرْتُموهم، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ‏:‏ «وَعَزَرْتُمُوهُمْ» خفيفة الزاي؛ حيثُ وقع، وقرأ في «سورة الفتحِ»‏:‏ «وتَعْزُرُوهُ» بفتح التاء، وسكونِ العينِ، وضمِّ الزاي، وسَواءُ السَّبِيلِ‏:‏ وَسَطُه، وسائرُ ما في الآية بَيِّن، واللَّه المستعان‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ أيْ‏:‏ فبنقضِهِمْ، والقَسْوَةُ‏:‏ غَلِظ القَلْب، ونُبُوُّهُ عن الرِّقَّة والمَوْعِظَة، وصَلاَبَتُهُ حتى لا ينفعلَ لخَيْرٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ‏}‏‏:‏ نصٌّ على سوءِ فِعْلِهِمْ بأنفسهم، أي‏:‏ قد كان لهم حظٌّ عظيمٌ فيما ذُكِّروا به، فَنَسُوه، وتركُوه، ثم أخبر تعالى نبيَّه عليه السلام؛ أنه لا يَزَالُ في مستأْنَفِ الزَّمان يطَّلع على خائِنَةٍ منهم، وغائلةٍ، وأمورٍ فاسدةٍ‏.‏

قالت فرقة‏:‏ خَائِنَة‏:‏ مصدرٌ، والمعنى‏:‏ على خِيَانَةٍ، وقال آخرون‏:‏ معناه‏:‏ على فرْقَةٍ خائِنَةٍ، فهي اسمُ فاعلٍ صفةٌ لمؤنَّث‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعف عَنْهُمْ واصفح‏}‏‏:‏ منسوخٌ بما في «براءة»، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى‏}‏‏:‏ «مِنْ»‏:‏ متعلِّقة ب ‏{‏أَخَذْنَا‏}‏، التقديرُ‏:‏ وأخذْنَا مِنَ الذين قالُوا‏:‏ إنَّا نصارى ميثاقَهُمْ، ويحتملُ أنْ تكون معطوفةً على ‏{‏خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ‏}‏، والأولُ أرجَحُ، وعلَّق قولهم‏:‏ «نصارى» بقولهم ودعواهم؛ مِنْ حيث هو اسمٌ شرعيٌّ يقتضي نَصْرَ دينِ اللَّه، وسَمَّوْا به أنفُسَهُمْ دُون استحقاق‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أثبتْنَاها بيْنَهم وألْصَقْنَاها، والإغْرَاءُ‏:‏ مأخوذ من الغِرَاءِ الذي يُلْصَقُ به، وقال البُخَارِيُّ‏:‏ الإغراءُ‏:‏ التسليط‏.‏ انتهى‏.‏

والضمير في ‏{‏بَيْنَهُمْ‏}‏ يحتملُ أنْ يعود على اليَهُودِ، والنصارى؛ لأنَّ العداوةَ بَيْنهم موجودةٌ مستمرَّةٌ، ويحتملُ أن يعود على النصارى فقطْ؛ لأنها أُمَّة متقاتِلَةٌ بينها الفِتَنُ إلى يَوْم القيامة، ثم توعَّدهم بعذابِ الآخرة؛ إذْ صُنْعهم كُفْرٌ يوجب الخُلُود في النار‏.‏

واعلَمْ ‏(‏رحمك اللَّه‏)‏؛ أنه قَدْ جاءَتْ آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشحناءِ والتباغُضِ والهِجْرَانِ لغَيْر موجِبٍ شرعيٍّ، ففي «صحيح مُسْلِمٍ»، عن أبي هُرَيْرة؛ أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنَ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيه شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ‏:‏ انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا ‏"‏، وفي روايةٍ‏:‏ ‏"‏ تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ واثنين، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لِكُلِّ امرئ لاَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً ‏"‏ الحديث‏.‏ انتهى‏.‏

وروى ابنُ المُبَارَكِ في «رقائقه» بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏ لاَ يَحِلُّ لامْرِئ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ مُسْلِماً فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَإنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا على صِرَامِهِمَا، فَأَوَّلُهُمَا فَيْئاً يَكُونُ سَبْقُهُ بِالفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلاَمَهُ، رَدَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ، وَرَدَّتْ عَلَى الآخَرِ الشَّيَاطِينُ، وإذَا مَاتَا على صِرَامِهِمَا، لَمْ يَدْخُلاَ الجَنَّةَ ‏"‏، أُرَاهُ قَالَ‏:‏ أَبَداً‏.‏ انتهى، وسنده جيِّد، ونصَّه قال ابن المبارك‏:‏ أخبرنا شعبةُ عَنْ يزيدَ الرِّشْكِ، عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ، قَالَتْ‏:‏ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عامرٍ يقول‏:‏ سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديثَ‏.‏

وقوله‏:‏ «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ»‏:‏ ليس على ظاهره، أيْ‏:‏ لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً؛ حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة؛ حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏16‏)‏ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأهل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أهْلُ الكتابِ‏:‏ لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء؛ كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود؛ لأنهم كانوا مُجَاوِرِي رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في مُهَاجَرِهِ، وفي إعلامه صلى الله عليه وسلم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ دليلٌ على صحَّة نبوَّته؛ لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، ‏{‏وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لم يفْضَحْهم فيه؛ إبقاءً عليهم، والضميرُ في ‏{‏يَعْفُوَاْ‏}‏ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ‏}‏‏:‏ هو محمَّد صلى الله عليه وسلم، و‏{‏كتاب مُّبِينٍ‏}‏‏:‏ هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى عليه السلام، والتوراةُ‏:‏ أي‏:‏ لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، و‏{‏سُبُلَ السلام‏}‏‏:‏ أي‏:‏ طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا اسما من أسماءِ اللَّه عزَّ وجلَّ، فالمعنى‏:‏ طُرُق اللَّه، و‏{‏الظلمات‏}‏‏:‏ الكُفْر، و‏{‏النور‏}‏‏:‏ الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ فَمَن يَمْلِكُ‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَخْلُقُ مَا يَشَاء‏}‏‏:‏ إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير والد، بل اختراعاً؛ كآدم عليه السلام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏‏:‏ عموم معناه الخصوص فيما عدا الذَّات، والصفاتِ، والمحالاتِ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أبناؤا الله وأحباؤه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ البُنُوَّة؛ في قولهم هذا‏:‏ بنوةُ الحَنَانِ والرأفة، لأنهم ذكروا أن اللَّه سبحانه أوحى إلى إسرائيل؛ أن أول أولادك بِكْرِي؛ فضلُّوا بذلك، وقالوا‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أبناؤا الله وأحباؤه‏}‏، ولو صح ما رَوَوْا، لكان معناه‏:‏ بِكْراً في التشريف أو النبوَّة، ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم عند ما دعاهم النبيُّ عليه السلام إلى الإيمان به، وخوفِهِم العذابَ، فقالوا‏:‏ نحن لا نخافُ ما تقول؛ لأنا أبناء اللَّه وأحبَّاؤه؛ ذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في غير ما موطنٍ‏:‏ نحن نَدْخل النار، فنقيم فيها أربعين يوماً، فردَّ اللَّه عليهم قولهم، فقال لنبيه عليه السلام‏:‏ ‏{‏قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لو كانتْ منزلتكم منه فوق منازِلِ البَشَر، لَمَا عذَّبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذِّبكم، ثم ترك الكلامَ الأوَّل، وأضرب عنه غَيْرَ مفسدٍ له، ودخل في غيره، فقال‏:‏ بَلْ أنتم بشَرٌ كسائر الناسِ، والخلقُ أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفرُ له ويُورِّطُ من يشاء في الكُفْر، فيعذِّبه، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، فله بحق المُلْك أنْ يفعل ما يشاء، ولا معقِّب لحُكْمه، وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏19‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأهل الكتاب‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ اليهودَ والنصارى‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا‏}‏‏:‏ محمد عليه السلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل‏}‏‏:‏ أي‏:‏ على انقطاعٍ من مجيئهم مدَّةً مَّا، والفَتْرةُ‏:‏ سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ؛ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال عليه السلام‏:‏ «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ»، وفي الصحيح؛ أنَّ الفترةَ التي كانَتْ بَيْنَ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود‏:‏ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ؛ قاله ابن عَبَّاس‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَن تَقُولُواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة‏:‏ ‏{‏مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ‏}‏، وقامتِ الحُجَّة عليكم، ‏{‏والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏؛ فهو الهادِي والمضلُّ لا رَبَّ غيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 22‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏20‏)‏ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ‏(‏21‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ واذكُرْ لهم، يا محمَّد؛ على جهة إعلامهم بغيب كتبهم؛ ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال‏:‏ ‏{‏إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، ‏{‏وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً‏}‏، أي‏:‏ فيكم ملوكاً؛ لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، ‏{‏وءتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ العالمين‏}‏، قال مجاهد‏:‏ هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام، وقال غيره‏:‏ كثرة الأنبياء؛ وعلى هذا القول‏:‏ فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم؛ لأنَّ ما أوتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم من آيات اللَّه أكْثَرُ من ذلك، و‏{‏المقدسة‏}‏ معناه‏:‏ المطهَّرة، قال ابن عباس‏:‏ هي الطُّور وما حوله، وقال قتادة‏:‏ هي الشام، قال الطبريُّ‏:‏ ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وتظاهرت الرواياتُ؛ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ‏:‏ الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل؛ أنهم تعنَّتوا ونَكصُوا، قالوا يا موسى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ‏}‏، والجَبَّار‏:‏ من الجَبْر؛ كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ‏:‏ العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين؛ أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى؛ ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر؛ حتى اعوج أمْرُ بني إسرائيل، وقالوا‏:‏ ‏{‏اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 24‏]‏، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، ويقال فيه‏:‏ «كَالُوث» ‏(‏بثاء مثلَّثة‏)‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 26‏]‏

‏{‏قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ‏(‏24‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ‏}‏ أي‏:‏ يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ؛ قال أكْثر المفسِّرين‏:‏ الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، ‏{‏أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا‏}‏ بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ‏:‏ «أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ؛ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ‏:‏ ‏{‏فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون‏}‏، وَلَكِنْ نَقُولُ‏:‏ اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى»، ولما سَمِعَ موسى عليه السلام قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي‏}‏، يعني‏:‏ هارونَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فافرق بَيْنَنَا‏}‏‏:‏ دعاء حرجٍ، والمعنى‏:‏ فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم، ‏{‏قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً يتيهونَ في الأرض، أي‏:‏ في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه؛ وهو؛ على ما يحكى‏:‏ طولُ ثلاثين ميلاً، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّئ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه‏:‏ الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين‏}‏ معناه‏:‏ فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابنُ عباس‏:‏ ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 30‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏27‏)‏ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اتل‏:‏ معناه‏:‏ اسرد وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل‏.‏ قال الفَخْر‏:‏ وفي الآية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ اتل على الناس‏.‏

والثاني‏:‏ اتل على أهْلِ الكتابِ‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏ابني ءَادَمَ‏}‏‏:‏ هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود؛ أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثى، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توأمتُهُ، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل‏:‏ أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ؛ فحينئذٍ‏:‏ ‏{‏قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ‏}‏، وقولُ هابيلَ‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين‏}‏‏:‏ كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره‏:‏ ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين‏؟‏‏!‏ وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ‏:‏ أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالى عقْلاً‏.‏

قلتُ‏:‏

قال * ع *‏:‏ في معنى هذه الألفاظ ‏(‏يعني حيث وقعت في الشرع‏)‏، وأما في هذه الآية، فليس باتقاء شرك؛ على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ‏:‏ ‏{‏مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس‏:‏ كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج، وهذا هو الأظهر‏.‏

قال * ع *‏:‏ ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر؛ لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرُّج هنا وجهٌ، و‏{‏تَبُوَأ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تمضِي متحمِّلاً، وقوله‏:‏ ‏{‏بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويلٌ يَعْضُدُه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يؤتى بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حتى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سَيِّئَاتِ المَظْلوم، فتُطْرح عليه»‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَذَلِكَ جزاؤا الظالمين‏}‏ يحتملُ‏:‏ أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل‏:‏ أن يكون إخباراً من اللَّه تعالى لمحمَّد عليه السلام، قال الفَخْر‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ‏}‏ قال المفسرون‏:‏ معناه‏:‏ سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين‏}‏‏:‏ أصْبَحَ‏:‏ عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب؛ ومنه‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

البَيْتَ

وقول سعد‏:‏ فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي، إلى غير ذلك مِن استعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ‏:‏ «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا»؛ وذلك لأنه أول مَنْ سَنَّ القتل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 32‏]‏

‏{‏فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ‏(‏31‏)‏ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَعَثَ الله غُرَاباً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قيل‏:‏ أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غراباً حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحَثُ في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ؛ وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، والسَّوْءَةُ‏:‏ العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارى أخَاه، ونَدِمَ على ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم‏.‏

واختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر‏:‏ ولم ينتفعْ قابيلُ بندمه؛ لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ؛ منها‏:‏ سَخَط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالى، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ أَجْلِ ذلك‏}‏ هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِي إسراءيل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ جمهورُ النَّاس على أن قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ أَجْلِ ذلك‏}‏‏:‏ متعلِّق بقوله‏:‏ ‏{‏كَتَبْنَا‏}‏ أي‏:‏ من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها؛ كتبنا، وقالَ قومٌ‏:‏ بل هو متعلِّق بقوله‏:‏ ‏{‏مِنَ النادمين‏}‏ أي‏:‏ ندم؛ من أجل ما وقع، والوقْفُ؛ على هذا، على ‏{‏ذلك‏}‏، والناس على أن الوَقْف ‏{‏مِنَ النادمين‏}‏، ويقال‏:‏ فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ بفتح الهمزة ومِنْ إجْلِكَ بكسرها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بِغَيْرِ نَفْسٍ‏}‏ أي‏:‏ بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْساً، والفسادُ في الأرض‏:‏ يجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً‏}‏ روي عن ابن عباس؛ أنه قال‏:‏ المعنى‏:‏ مَنْ قتل نفساً واحدةً، وانتهك حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعاٌ، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها؛ مخافَتِي، واستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعاً، قال الحسنُ وابْنُ زيدٍ‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أحياها‏}‏ أي‏:‏ عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة، وقيل غير هذا‏.‏

ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل؛ أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا وفي سِوَاه، ‏{‏ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك‏}‏ في كُلِّ عَصْر يسرفُونَ، ويتجاوزون الحُدُود‏.‏